الشيخ علي المشكيني
344
الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)
فالأوّل : أي ما يمكن جعله استقلالًا وإيجاده باللفظ أصالةً - كالملكية والزوجية والحجّية والقضاوة والنيابة والحرّيّة والرقّيّة ونحوها - فالشارع بقوله : « من حاز شيئاً من المباحات ، أو استرقّ أحداً من الكفّار فهو له » أنشأَ وجعل ملكية المال والشخص الأسير للآخذ ، وبقوله : « صدّقِ العادل » جعل الحجّية لقوله ، وبقوله عليه السلام : « جَعَلُتُه حَاكِماً » « 1 » جعل القضاوة للفقيه . والثاني : كجزئية شيء للمأمور به وشرطيّته ، فينتزع من تعلّق الحكم التكليفي بصلاةٍ ذات أجزاءٍ وقيودٍ ، الجزئية لكلّ واحد من أجزائها ، والشرطية لكلّ واحد من قيودها . والثالث : كسببية مصالح الصلاة - مثلًا - للأمر بها وإيجابها ؛ فإنّ ذلك أمر تكويني مقدّم على الوجوب ، فلا يعقل جعله تشريعاً ، فضلًا عن أن ينتزع من التكليف المتأخّر عنه رتبةً . ثمّ إنّ الحُكم الوضعي ليس محصوراً في ثلاثة « 2 » أو خمسة « 3 » أو تسعة « 4 » كما توهَّم ؛ بل كلّما كان من الأمور الاعتبارية القابلة للجعل والاعتبار اطلق عليه اسم الحكم ، وكان غير التكليف ، فهو حكم وضعي كالصحّة والبطلان والعلّيّة ، كعلّيّة الملاقاة للنجاسة ، والعلاميّة كالسنّ ، والاحتلام ونبات الشعر بالنسبة إلى البلوغ ، والتقديرات كالكرّية والمسافة ، والحجج كحجّية خبر العدل والثقة ، والبدلية كبدلية التيمّم عن الوضوء و
--> ( 1 ) . والحديث : « عن عُمَرَ بْنِ حَنْظَلَةَ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ فِي دَيْنٍ أَوْ مِيرَاثٍ ، فَتَحَاكَمَا إِلَى السُّلْطَانِ وَإِلَى الْقُضَاةِ ؛ أَ يَحِلُّ ذَلِكَ ؟ قَالَ : مَنْ تَحَاكَمَ إِلَيْهِمْ فِي حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ فَإِنَّمَا تَحَاكَمَ إِلَى الطَّاغُوتِ ، وَمَا يَحْكُمُ لَهُ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ سُحْتاً وَإِنْ كَانَ حَقّاً ثَابِتاً ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِحُكْمِ الطَّاغُوتِ ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُكْفَرَ بِهِ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : « يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ » . قُلْتُ : فَكَيْفَ يَصْنَعَانِ ؟ قَالَ : يَنْظُرَانِ إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِمَّنْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا ، وَنَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَحَرَامِنَا ، وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا ، فَلْيَرْضَوْا بِهِ حَكَماً ؛ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِماً ، فَإِذَا حَكَمَ بِحُكْمِنَا فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ فَإِنَّمَا اسْتَخَفَّ بِحُكْمِ اللَّهِ ، وَعَلَيْنَا رَدَّ ، وَالرَّادُّ عَلَيْنَا الرَّادُّ عَلَى اللَّهِ ، وَهُوَ عَلَى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللَّه » . الكافي ، ج 1 ، ص 67 ، ح 10 ؛ بحار الأنوار ، ج 2 ، ص 220 ، ح 1 . ( 2 ) . مصباح الفقاهة ، ج 2 ، ص 272 . ( 3 ) . الرسائل ، ج 1 ، ص 120 . ( 4 ) . تعليقة على معالم الأصول ، ج 1 ، ص 69 .